السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

87

مفاتيح الأصول

ولكن موافقتهم من غير دليل معتمد عليه أشكل مضافا إلى اضطراب كلامهم في هذا كما لا يخفى وقد يوجّه كون القبح دليلا على الخروج عن اللَّغة بأنّ معنى كون الاستعمال من اللَّغة كونه موافقا لقانونها ومطابقا لوضع أهلها أو رخصة أربابها ومن الظاهر البيّن أنهما لا يتحققان مع ثبوت القبح للقطع بأن بناء اللَّغة حقيقتها ومجازها على الحسن وعدم القبح والنّقض بما تقدم إليه الإشارة غير وجيه لأنّ القبح ليس لنفس الاستعمال بل لاعتبار آخر غيره كما لا يخفى والقبح الَّذي يدعى كونه دليلا على الخروج عن اللَّغة القبح الراجع إلى نفس الاستعمال كاستعمال المجاز بلا علاقة لا مطلقا فتأمل هذا ويمكن أن يقال إن الأصل خروج كلّ استعمال قبيح عن اللَّغة إلا ما قام الدّليل على دخوله فيها وبهذا يمكن الجمع بين كلمات جملة من الأصوليين الذين استدلَّوا على عدم جواز التخصيص المفروض بقبحه وأجابوا عن المانع عن استثناء الأكثر بقبحه بالمنع من دلالة القبح على عدم صحّة الاستعمال لغة وفيه نظر والمسألة في غاية الإشكال ولا شبهة في عدم وقوع الاستعمال المفروض في الكتاب والسنّة وفي كلام اللَّه عز وجل ونبيّه صلَّى اللَّه عليه وآله والأئمة عليهم السلام فإن وردت رواية مشتملة عليه فلا إشكال في لزوم طرحها حيث لم يمكن تأويلها بما يرتفع معه القبح مفتاح اعلم أنّه قد تمسّك في النهاية والمعارج على عدم إفادة المفرد المحلى بلام العموم وضعا بأنه لو كان موضوعا له لجاز أن يؤكد بمؤكَّدات الاستغراق نحو كلّ وجميع وذلك باطل لأنّك لا تقول رأيت الإنسان كلَّهم ولا جاءني الكريم أجمعون لا يقال هذا مبني على التلازم بين الدّلالة على العموم وصحّة التّأكيد بمؤكدات الاستغراق وقد يمنع منه إذ لا دليل عليه لا عقلا ولا نقلا أما الأول فلأنه يجوز انفكاك أحد الأمرين عن الآخر وأمّا الثاني فلأنه لم يصل من أهل اللَّغة ما يقتضي أصالة صحة التّأكيد إذا تحقق الدلالة على العموم لأنا نقول التلازم ثابت عقلا ونقلا أمّا الأول فلأنا نمنع من جواز انفكاك أحد الأمرين عن الآخر وتحقيقه أنّ التأكيد ليس إلَّا تقوية الأول وهو شيء مستحسن عقلا في كلّ مقام إذا تحقق شرطه والتفرقة بين المقامات لا بد أن تكون لسبب وهو إمّا عقلي أو نقلي والأول غير متحقق إذ لم نجد منه ما يقتضي الفرق وكذا الثاني غير متحقق على أن صحة التأكيد ليست مسألة يرجع فيها إلى النّقل وتكون موقوفة على النّص بل هي من المسائل العقلية الَّتي مدركها العقل كالإسناد إلى الفاعل والمفعول وتوضيح المطلب والمرام أن المطالب التي يطلب تحقيقها على قسمين الأول ما لا يتم إلَّا بنصّ الغير وإرادته وتعيينه بحيث لو فرض أن الغير لو لم ينصّ عليه ولم يحكم به لم يكن ذلك ثابتا وهذا مما يحتاج فيه إلى النقل عن الغير والعقل لا يستقل بإدراكه ولا يكون فيه المرجع نعم قد يتمسّك به إذا أدى إلى كشف فعل الغير ومن هذا القبيل المسائل الشّرعية الفقهية فإن المطلوب فيها معرفة قول الشارع من حيث هو قوله ولهذا كانت توقيفية نعم قد يستدل فيها بالعقل لكن لا لأجل أنّه المتبع بل لكونه وسيلة إلى كشف قول الغير ونحوها المسائل اللَّغوية التي تتعلق بالألفاظ من حيث الإعراب والبناء والمد والإمالة والتشديد والتخفيف فإن المطلوب فيها قول أهل اللَّغة لأن كلّ ذلك بجعلهم وتعيينهم فيكون توقيفيا ومثل هذا يقبل اختلاف اللَّغويّين فيه ولذا ترى أن للفظ عند طائفة هيئة وعند أخرى أخرى وبالجملة المرجع في كل ذلك والمطلوب الأصلي هو قول الغير الثّاني ما لا يحتاج فيه إلى قول الغير ولا يكون هو المقصود بالذّات بل المقصود فيه معرفة ما هو الواقع ونفس الأمر وهذا ليس بتوقيفي والمدرك فيه العقل نعم قد يتمسك بالنقل في هذا المقام لكن لا لأجل كونه المقصود بل لكونه ذريعة إلى تحصيل ما هو الواقع ومن هذا القبيل المسائل الحسابيّة والمنطقية والرّياضيّة والطَّبيّة فإن المقصود فيها معرفة الواقع ونفس الأمر ومنه أيضا المسائل اللغوية الَّتي لا تتعلق بالألفاظ من حيث هي ألفاظ وذلك نحو إسناد الفعل إلى الفاعل والمفعول وبيان هيئته وفائدة التقديم والتأخير فإن المطلوب فيها معرفة الواقع وليس قول الغير فيها مطلوبا لأنها ليست بجعله ولذا لا يختلف فيها الطَّوائف والأمم وأرباب اللَّغات وبالجملة المدرك في أمثال ما ذكر العقل فإذا عرفت هذا فاعلم أن صحّة التّأكيد وعدمها من القسم الثّاني فالمدرك فيها العقل ومن المعلوم أنّ العقل يحكم بالتلازم بين الأمرين المزبورين وعدم الفرق بين المقامات وليس كلام أهل اللَّغة مناطا ولا ملتفتا إليه لا يقال الفارق بين المقامات موجود وهو وجود التّناسب اللَّفظي كما في جاءني العلماء كلَّهم وعدمه كما في جاءني العالم كلَّهم لأنا نقول هذا لا يصلح للفرق كما لا يخفى ولذا لو سمّي رجلا بالعلماء لما جاز أن يقول جاءني العلماء كلَّهم حينئذ ولو سمّي جماعة بالعالم وجب أن يقول جاءني العالم كلَّهم كما صرّح به بعض المحققين وأمّا الثاني فلأنه معلوم من الاستقراء فإن الغالب في كل ما يدل على شيء صحّة تأكيده بمؤكده ومن الظاهر أن أغلب طرق النقل عن أهله هو الاستقراء القول في تعارض الأمور المخالفة للأصل مفتاح إذا تعارض التخصيص والمجاز ودار الأمر بينهما كما إذا أورد لا يجب إكرام الطوال وأكرم زيدا الطَّويل فإنه لا يجوز العمل بظاهرهما لتنافيهما فيجب ارتكاب التّأويل في أحدهما وذلك ممكن بأحد وجهين أحدهما